أبو نصر الفارابي
14
الجمع بين رأيي الحكيمين
ولقد نشأ هذا التباين من أن القانون سنه الضعفاء والسواد الأعظم بالإضافة إلى مصلحتهم الخاصة ، فقصدوا إلى تخويف الأقوياء وصدهم عن التفوّق عليهم ، وذهبوا إلى أن النظام يقوم بالذات في إرادة التسامي على الآخرين . ولكن الطبيعة تقدم الدليل على أن العدالة الصحيحة تقضي بان يتفوّق الأحسن الاقدر ، وان علامة العدالة سيادة القوى على الضعيف ، واذعان الضعيف لهذه السيادة . ثم يلاحظ ان الكل يطلب السعادة ، فكيف يستطيع ان يعيش سعيدا من يخضع لأي شيء كان ، قانونا أم انسانا ؟ الّا ان العدالة والفضيلة والسعادة بحسب الطبيعة ان يتعهد الانسان في نفسه أقوى الشهوات ، ثم يستخدم ذكاءه وشجاعته لارضائها مهما تبلغ من قوة ، مع تظاهره بالصلاح لإسكات العامة والانتفاع بحسن الصيت ، ولا يتسنى هذا لغير الرجل القوي . يلاحظ أفلاطون على هذا القول فيسأل : ان كانت الكثرة هي التي فرضت القانون ، فهي الأحسن من حيث إنها الاقدر وقوانينها حسنة حسب الطبيعة لأنها قوانين الاقدر . وان كانت ترى ان العدالة تقوم في المساواة وان الظلم أقبح من الانظلام ، فرأيها مطابق للطبيعة ، واذن لا تعارض بين الطبيعة والقانون . ثم هل الأقوى هو الأسعد ؟ كلا ، ان حياته مخيفة تعسة ، هو يميل إلى الاسراف في شهوته ، ولما كان الاشتهاء ألما من الحرمان ، كان انماء الشهوات لأجل ارضائها عبارة عن تعهد آلام في النفس لا يهدأ ، وكانت حياة الشهوة موتا متكررا ، مثلها مثل الدن المثقوب تصب فيه فلا يمتلئ ، أو مثل الأجرب لا يفتأ يحس حاجته لحك جلده فيحك بقوة فتزيد حاجته ويقضي حياته في هذا العذاب . مثل هذا المخلوق لا يمكن ان يحبه الناس ، ولا ترضى عنه الآلهة ، بل لا تمكن معاشرته ، فلا يذوق لذة الصداقة ، فهو شقي للغاية ، والدولة التي يحكمها اشقى الدول . الفضيلة : الفضائل ثلاث تدبر قوى النفس الثلاث : الحكمة فضيلة العقل تكمله بالحق ، والعفة فضيلة القوى الشهوانية تلطف الأهواء فتترك النفس هادئة والعقل جرا ، ويتوسط هذين الطرفين الشجاعة وهي فضيلة القوة الغضبية تساعد العقل على الشهوانية فتقاوم اغراء اللذة ومخافة الألم . والحكمة أولى الفضائل ومبدؤها ، فلو لا الحكمة لجرت الشهوانية على خليقتها ، وانقادت لها الغضبية . ولو لم تكن العفة والشجاعة شرطين للحكمة تمهدان لها السبيل وتشرفان بخدمتها ، لما خرجنا من دائرة المنفعة إلى دائرة الفضيلة ، إذ « ما الهرب من